الحكيم الترمذي
66
غور الأمور
ولكنه محمود بإستعمالها مذموم بترك استعمالهن وأما نور المعرفة فهو من اللّه وليس إلى العبد منه شئ . وذلك أن اللّه عز وجل لما أراد أن يخلق آدم خمر طينته بيده وولى تصوين بنفسه « 1 » ، وخلقه من شيئين من أدنى شئ وأخسه ، وهو التراب ، وأعلا شئ وأشرفه وألطفه وأطيبه وهو ماء الرحمة ، ووضع فيها شيئا هو أشرف الأشياء وأبهاها ، وأنورها . اخرجه من خزائن الربوبية ، وقدّره بعلم الوحدانية عليه لباس الألوهية ، محشو بنور الجلال والفردانية يحكى عن رب قديم ، وإله عظيم ، وقادر لطيف ليس كمثله شئ ، وهو الحكيم الخبير ، وهو نور المعرفة . ثم وضع فيه تلك الأشياء الخمسة التي ذكرناها ، ثم وضع الطينة تحت عرشه أربعين خريفا حتى شرب فيه كل ما وصفنا ، وخلص إلى عضو وعرق ومفصل منه ، من قرنه « 2 » إلى قدمه .
--> ( 1 ) قضية خلق آدم عليه السلام على نحو ما يذكر الشيخ رحمه اللّه من كونه تعالى خلقه من تراب وماء أي طين كما قال تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ الحجر 26 ، وقوله تعالى للملائكة إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ص 71 - 72 . هذا أمر لا خلاف عليه في كون الطين مشتملا على التراب والماء . وما ذكره الشيخ عما سماه ماء الرحمة لم نجد له تدعيما من آراء المفسرين في تنوالهم للآيات الكريمة في مثل قوله تعالى وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فجعله نسيا وصهرا الفرقان 54 . وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ النور 45 . حيث توقفوا رحمهم اللّه عن نعت الماء بكونه ماء الرحمة أو ماء الحياة . وهذا من اجتهاد والشيخ رحمه اللّه واللّه تعالى أعلى وأعلم . ( 2 ) يقصد بالقرن هنا أعلى آدم عليه السلام ، أي رأسه واللّه أعلم .